سبب نزول هذه الآيات أنَّ رجلاً من المتقدمين في زمن بني إسرائيل آتاه الله – سبحانه – عِلم الكتاب ، فصار عالماً كبيراً ، وحَبْرَاً نِحْريراً ، لكنه انسلخ من هذا العلم ، ونبذ كتاب الله وراء ظهره ، فتسلّط عليه الشيطان ، ودفعه إلى المعاصي دفعاً ، فأصبح من الغاوين ، بعد أنْ كان من الراشدين المُرشدين ، ففعل ما يقتضي الخذلان والهوان ، فخذله الله – تعالى – وأوكله إلى نفسه ، فاتَّبَع هواه ، وترك طاعة مولاه ، وباع دينه بدنياه ، فمثله في شدة حرصه على الدنيا ، وانصراف قلبه إليها كمثل الكلب لا يزال لاهثاً في كل حال إنْ حملتَ عليه ، أو تركته .
وهذا حال كل مَن آتاه الله العلم والإيمان ، فتَنَكَّبَ عن الصراط ، ولم ينتفع من ذلك بشيء ، فَسَاء وقَبُحَ مثلُ مَن كذَّبَ بآيات الله وظلم نفسه بأنواع المعاصي .
وفي الآيات السابقة ترغيب في العمل بالعلم ، وترهيب من تركه واتِّّباع الشيطان والهوى ، نعوذ بالله من الهوان والخذلان .
سبب نزول هذه الآيات أنَّ الإنسان الذي عُني هنا هو : أُبيّ بن خَلف ؛ إذ جاء إلى رسول الله – عليه الصلاة والسلام – وفي يده عظم رميم ، وهو يفُتّه ويَذروه في الهواء ؛ ويقول : يا محمد ! أتزعمُ أنّ الله يبعث هذا ؟ فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : " نعم ! يبعث الله هذا ، ثم يُميتك ، ثم يُحييك ، ثم يُدخلك نار جهنم " .
وقيل : نزلت في العاص بن وائل ؛ حيث أخذ عظماً من البطحاء فَفَتّه بيده ؛ ثم قال لرسول الله – صلى الله عليه وسلم - : أَيُحيي الله هذا بعد ما أرى ؟ فقال رسول الله – عليه الصلاة والسلام - : " نعم ! يُميتك الله ، ثم يُحييك ، ثم يُدخلك جهنم " .
وسواء نزلت الآيات في أُبيّ بن خلف ، أو في العاص بن وائل ، أو فيهما ؛ فهي عامّة في كلّ مَن أنكر البعث والنُّشور على مرّ الأزمان والعصور ، وسيُقنون بمصيرهم المحتوم حينما يُوضعون في القبور .